الشنقيطي

36

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

هذه الآية يوهم ظاهرها أن بعض المخلوقين ربما خلق بعضهم ونظيرها قوله تعالى : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً [ العنكبوت : 17 ] الآية . وقد جاءت آيات أخر تدل على أن اللّه هو خالق كل شيء ، كقوله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] ، وقوله اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [ الزمر : 62 ] إلى غير ذلك من الآيات . والجواب ظاهر ، وهو أن معنى خلق عيسى كهيئة الطير . من الطين هو : أخذه شيئا من الطين وجعله إياه على هيئة - أي صورة الطير وليس المراد الخلق الحقيقي لأن اللّه متفرد به جل وعلا . وقوله : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً : معناه تكذبون . فلا منافاة بين الآيات كما هو ظاهر . قوله تعالى : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [ 55 ] الآية . هذه الآية الكريمة يتوهم من ظاهرها وفاة عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام . وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على خلاف ذلك كقوله وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [ النساء : 157 ] وقوله وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [ النساء : 159 ] الآية . على ما فسرها به ابن عباس في إحدى الروايتين وأبو مالك والحسن وقتادة وابن زيد وأبو هريرة ، ودلت على صدق الأحاديث المتواترة ، واختاره ابن جرير وجزم ابن كثير ، بأنه الحق من أن قوله قبل موته أي موت عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام . والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه : الأول - أن قوله تعالى : متوفيك . لا يدل على تعيين الوقت ولا يدل على كونه قد مضى وهو متوفيه قطعا يوما ما . ولكن لا دليل على أن ذلك اليوم قد مضى ، وأما عطفه ورافعك إلى قوله متوفيك . فلا دليل فيه لإطباق جمهور أهل اللسان العربي على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع ، وإنما تقتضي مطلق التشريك . وقد ادعى السيرافي والسهيلي إجماع النحاة على ذلك ، وعزاه الأكثر للمحققين وهو الحق . خلافا لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه . وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء ، وقال لم أجده في كتابه .